محمد متولي الشعراوي
139
تفسير الشعراوي
فوجد كل ما في الكون مسخرا لخدمته والأشياء تستجيب له فظن بمرور الزمن ان له سيطرة على هذا الكون . . ولذلك عاش وفي ذهنه قوة الأسباب . . يأخذ الأسباب وهو فاعلها فيجدها قد أعطته واستجابت له . . ولم يلتفت إلى خالق الأسباب الذي خلق لها قوانينها فجعلها تستجيب للانسان . . وقد أشار الحق تبارك وتعالى إلى ذلك في قوله جل جلاله : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) ( سورة العلق ) ذلك ان الانسان يحرث الأرض فتعطيه الثمر . . فيعتقد انه هو الذي اخضع الأرض ووضع لها قوانينها لتعطيه ما يريد . . يضغط على زر الكهرباء فينير المكان فيعتقد انه هو الذي أوجد هذه الكهرباء ! يركب الطائرة . . وتسير به في الجو فيعتقد انه هو الذي جعلها تطير . . وينسى الخصائص التي وضعها اللّه سبحانه وتعالى في الغلاف الجوى ليستطيع ان يحمل هذه الطائرة . . يفتح التليفزيون ويرى أمامه احداث العالم فيعتقد ان ذلك قد حدث بقدرته هو . . وينسى ان اللّه تبارك وتعالى وضع في الغلاف الجوى خصائص جعلته ينقل الصوت والصورة من أقصى الدنيا إلى أقصاها في ثوان معدودة . . وهكذا كل ما حولنا يظن الانسان انه اخضعه بذاته . . بينما كل هذا مسخر من اللّه سبحانه وتعالى لخدمة الانسان . . وهو الذي خلق ووضع القوانين . . نقول له انك لو فهمت معنى ذاتية الأشياء ما حدثتك نفسك بذلك . . الشئ الذاتي هو ما كان بذاتك لا يتغير ولا يتخلف ابدا . . انما الامر الذي ليس بذاتك هو الذي يتغير . . وإذا نظرت إلى ذاتيتك تلك التي اغرتك واطغتك . . ستفهم ان كلمة ذاتية هي ألا تكون محتاجا إلى غيرك بل كل شئ من نفسك . . وأنت في حياتك كلها ليس لك ذاتية ؛ لأن كل شئ حولك متغير بدون ارادتك . . وأنت طفل محتاج إلى أبيك في بدء حياتك . . فإذا كبرت وأصبح لك قوة واستجابت الاحداث لك فإنك لا تستطيع ان تجعل فترة الشباب والفتوة هذه تبقى . . فالزمن يملك ولكن لفترة محدودة . . فإذا وصلت إلى مرحلة الشيخوخة فستحتاج إلى من يأخذ بيدك ويعينك . . ربما علي أدق حاجاتك وهي الطعام والشراب . .